أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
648
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
حكى القراءتين - « وكلاهما حسن لاستواء كلّ واحد منهما في أنّ ذكره قد تقدّم ، غير أنّ الاختيار « سِحْرٌ » لجواز وقوعه على الحدث والشخص ، أمّا وقوعه على الحدث فسهل كثير ، ووقوعه على الشخص يريد ذو سحر كقوله : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ « 1 » وقالوا : « إنما أنت سير » و « ما أنت إلا سير » و : 1851 - . . . * فإنّما هي إقبال وإدبار « 2 » قلت : وهذا يرجّح ما قدّمته من أنه أطلق المصدر على الشخص مبالغة نحو : « رجل عدل » ثم قال : « ولا يجوز أن يراد بساحر السحر ، وقد جاء فاعل يراد به المصدر في حروف ليست بالكثير نحو : « عائذا باللّه من شره » أي : عياذا ، ونحو « العافية » ولم تصر هذه الحروف من الكثرة بحيث يسوغ القياس عليها » . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 111 إلى 113 ] وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ ( 111 ) إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 112 ) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 113 ) قوله تعالى : أَنْ آمِنُوا : في « أَنْ » وجهان : أظهرهما : أنها تفسيرية لأنها وردت بعدما هو بمعنى القول لا حروفه . والثاني : أنها مصدرية بتأويل متكلف أي : أوجبت إليهم الأمر بالإيمان ، وهنا قالوا : « آمَنَّا » ولم يذكر المؤمن به ، وهناك آمَنَّا بِاللَّهِ « 3 » فذكره ، والفرق أنّ هناك تقدّم ذكر اللّه تعالى فقط فأعيد المؤمن به فقيل : « باللّه » وهنا ذكر شيئان قبل ذلك وهما : « أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي » فلم يذكر ليشمل المذكورين ، وفيه نظر . وهنا « بِأَنَّنا » وهناك « بأنّا » بالحذف ، وقد تقدّم غير مرة أنّ هذا هو الأصل ، وإنما جيء هنا بالأصل لأنّ المؤمن به متعدّد فناسبه التأكيد . هَلْ يَسْتَطِيعُ قرأ الجمهور « يَسْتَطِيعُ » بياء الغيبة « رَبُّكَ » مرفوعا بالفاعلية ، والكسائي : « تستطيع » بتاء الخطاب لعيسى ، و « ربك » بالنصب على التعظيم ، وقاعدته أنه يدغم لام « هَلْ » في أحرف منها هذا المكان ، وبقراءة الكسائي قرأت عائشة ، وكانت تقول : « الحواريّون أعرف باللّه من أن يقولوا : هل يستطيع ربك » كأنها - رضي اللّه عنها - نزّهتهم عن هذه المقالة الشنيعة أن تنسب إليهم ، وبها قرأ معاذ أيضا وعلي وابن عباس وسعيد بن جبير في
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 177 ) . ( 2 ) البيت للخنساء من قصيدة لها ترثي بها أخاها صخرا وهو عجز بيت وصدره : ترتع ما رتعت حتى إذا ادّكرت * . . . انظر ديوانها ( 48 ) ، الكتاب ( 1 / 337 ) ، المقتضب ( 3 / 230 ) ، الخصائص ( 3 / 189 ) ، المنصف - - ( 1 / 197 ) ، الكشاف ( 1 / 163 ) ، ابن الشجري ( 1 / 71 ) ، ابن يعيش ( 1 / 144 ) ، الخزانة ( 1 / 207 ) ، المحتسب ( 2 / 43 ) . وقولها : ادكرت : تذكرت . تصف ناقة أو بقرة فقدت ولدها فكلما غفلت عنه رتعت ، فإذا عاودتها الذكرى حنت إليه ، فأقبلت وأدبرت في حيرة فضربتها مثلا لفقدها أخاها صخرا . ( 3 ) انظر تفسير الآية ( 52 ) ، من سورة آل عمران .